19th Ave New York, NY 95822, USA

Manifesto – adahica

 

من نحن

 

نحن نساء ورجال ومثقفون ونشطاء ومناضلون وفنانون وباحثون من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة حول البحر الأبيض المتوسط، الذين يؤمنون بأن البحر المتوسط هو مصيرنا المشترك. منذ أيلول / سبتمبر 2014، تجمعنا من خلال منتدي سبير ميدان، وهي عملية قاعدية شعبية نتجة من خلال سلسلة من الفعاليات /الأحداث – منتدى سبير ميدان ، الذي عقد من خلال ثلاث نسخ سابقة من مهرجان سبيرفيست الأخيرة والمنتدى الاجتماعي العالمي 2015، و نتج عنهم التركيز على مفهوم المواطنة العابرة للحدود لابناء دول البحر الأبيض المتوسط. ويهدف سبير ميدان إلى تعزيز شبكة المجتمع المدني من المنظمات والأفراد الملتزمين الذين لديهم تصورا كاملا باندماج شعوب البحر الابيض المتوسط من خلال مبادرات المواطنين وأدواتهم. لقد قررنا المشاركة في صياغة بيان تأسيسي يصف البحر الأبيض المتوسط الذي نريد أن نراه في المستقبل القريب، “مانيفيستو بيان من أجل المواطنة المتوسطية.

 

نحو البيان

 

نري هذا البيان بمثابة، ميثاق لمبادىء وقيم تحدد مفهوم جديد للمواطنة والانتماء في اقليم البحر الابيض المتوسط. هو ما يود أيضا أن يكون مصفوفة إجراءات ملهمة تهدف إلى تسهيل الحوار والنقاش في حوض البحر الأبيض المتوسط، من أجل بناء مساحة ميزاتها الرئيسية هي التكامل والعدالة الاجتماعية والعدالة البيئية والديمقراطية التشاركية والتضامن الاجتماعي والاقتصادي والسلام و التفاهم المتبادل.

وسيتم وضع اللمسات الأخيرة على هذا البيان من خلال عملية تشاورية واسعة النطاق بين ابناء هذا الاقليم ، لذا نحن نتقدم هنا ما نسميه ب ” البيان المبدئي”، وهو نص مختصر يسلط الضوء علي المبادئ الرئيسية التي نريد الدفاع عنها والمطروحة للنقاش والتطوير خلال عملية تشاور.

تمت مناقشة “البيان المبديء” ضمن مجتمع سبير ميدان عام 2017، ولاول مرة ، تم عرضه على الجمهور. وبعد ذلك ستكون الخطوة التالية أنطلق العملية التشاورية و فتح باب النقاش لكل المهتمين عامة في إقليم البحر الابيض المتوسط بهدف الوصول الي ورقة أكثر تفصيلاً تتعلق بالسياسة والدعوة، ما سنطلق عليه لاحقا “مانيفيستو بيان من أجل المواطنة المتوسطية”.

وتتألف لجنة التحرير من: فاطيمة ادريس، سعيد البقالي، ديبورا ديل بيستويا، محمد الغطاس، ليديا لو شيافو، جانلوكا سوليرا، ايغور ستيكس، نجوان الأشول وقيس زريبا.

 

أين نحن؟

 

في خلال العشرة سنوات الاخيرة، كانت دول وأمم البحر الأبيض المتوسط في قلب العديد من الصراعات الاجتماعية. غير أن مطالب أولئك الشباب الذين خرجوا احتجاجا على نطاق واسع ضد الأنظمة القديمة في المنطقة، وكذلك ضد النظم الاجتماعية والاقتصادية الظالمة واجراءات التقشف، مما أدي إلي اتساع الفجوة من جديد بين والمؤسسات والشباب، الذين تم اقصائهم و خيانتهم و الذين فقدوا الثقة في نظم السياسية وشعروا بالحرمان من مستقبلهم.

وأدت هذه الأزمة إلى وصم المهاجرين خصوصاً بعد التدفقات التي تلت الحرب الأهلية التي نشبت في ليبيا وسوريا ، و تدهور الأوضاع في العديد من الدول الأفريقية. ومن ناحية أخرى، هناك بعض الجماعات السياسية والاجتماعية تعرّف نفسها وهويتها من خلال ما يعرف بالقومية والسلطوية والتجانس الثقافي و الديني، وهناك أيضا من يضحي بوجوده وهو يبحث عن خلاصه الشخصي والإجتماعي من خلال العمل المسلح ،وهذا الوضع يهدد ثقافة التعاون و مفهوم المواطنة نفسها ويهدد المشتركات الثقافية والجغرافية في منطقتنا أيضاً.

ونحن كنساء ورجال من منطقة المتوسط مهتمين بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية و قلقين على التراث الثقافي والبيئي للمنطقة, نتطلع إلي من مستقبل مشترك لبلاد المتوسط انطلاقاً من :

أ- تعلمنا من السلبي والإيجابي في الثورات والاحتجاجات الاجتماعية التي انطلقت ضد سياسات التقشف وتسليع الموارد العامة ، وضد حالة تدهور الحقوق الاجتماعية في الدول الأوروبية، وبالطبع أثّرهذا بعد ذلك على بلدان جنوب المتوسط، وامتد في النهاية إلى بقية المنطقة – ونظرنا باهتمام إلى مجموعات سياسية جديدة تستند خططها إلى الحركات لمكافحة التقشف الذي حدثت عام 2008 وعن المطالب التي رفعتها الحركات الثورية عام 2011؛

ب- ألهمنا مانيفستو “ڤينتوتيني 1941″ الذي كتبه مجموعة من المناضلين والمثقفين المناهضين للفاشية والذي رفع شعار” أوروبا حرة ومتحدة ” ثم أصبح فيما بعد مصدر إلهام للشعوب الأوروبية التي ناضلت ضد الفاشية والنازية ووضعت تصوراً لمشروع التكامل الأوروبي؛

ج – نظرنا بكل اهتمام إلى مبادرة بورتو أليغري، والنص المؤسس للمنتدى الاجتماعي العالمي، الذي حفز الكثيرين لبناء حركات اجتماعية قوية والتطلع إلى مجتمعات مدنية في المنطقة، وكان منبراً للحركات المناهضة للعولمة ، وحاشداً ضد الاستغلال الاقتصادي والاستعماري.

 

ما نؤمن به

 

نود بهذه الوثيقة أن ندعوا الجميع لفتح النقاش حول مستقبل اقليم البحرالابيض المتوسط انطلاقاً من هذه الاعتبارات :

1. المشتركات الإنسانية: اقليم البحر الأبيض المتوسط فتح الطريق أمام لغات وديانات وطرق فلسفية وتخصصات علمية عززت وجود حضارات هذه المنطقة على مر التاريخ. مثلت مساحة متميزة لثقافات شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا وجعلتهم يلتقوا و يختلطوا و يندمجوا سوياً، وتشكّل هذا في الواقع المهد للنهوض وولادة المجتمعات المدنية الأولى في الشرق، و أيضاً الحضارة اليونانية – رومانية واليهودية – مسيحية و المسلمة, و تعاقب وامتداد فترات تنويرية مثل عصر النهضة، وهذا أنجب مدن عالمية مثل الإسكندرية وطنجة وقسطنطينية / اسطنبول و سالونيك ودوبروفنيك. اقليم البحر الأبيض المتوسط هو الملتقى الذي أثرى لآلاف السنين من خلال تبادل كل شيء و الدمج بين : البشر والحيوانات و البضائع والسفن والأفكار والأديان وأنماط الحياة وفنون العيش وحتى النباتات. البحر المتوسط وجد مميزاته في توازنه، الغير ساخن جداً والغير بارد جداً، ومداواته بالاختلاط الذي حوّل أقطاب معارضة إلى التلاقي حول المشتركات، وصنع الجمال من خلال مزج الأشكال المختلفة في المعيشة والعلاقات الاجتماعية والصمود و المرونة في وقت الكوارث. وبالتالي السرد المتداول اليوم والمبني على مفاهيم عدم التوافق والتكامل بين الأمم والثقافات من الممكن مناقشته بسهولة إذا أراد العالم التربوي التعريف بالوجه الحقيقي للبحر المتوسط ونقاط التقاءه وليس العكس وإذا أراد عالم الثقافة تنشيط البحث العلمي والاستكشاف وإذا قررت الجهات السياسية دعم وحماية هذه المفاهيم.

2. مساحة للتبادل: اقليم البحر الأبيض المتوسط هو أيضا واجهة بارزة للتبادلات الاقتصادية والمالية بين دول القارات الأفريقية والأوروبية والآسيوية. في هذه المساحة استطاعت إمبراطوريات وممالك وجمهوريات بناء شبكات تجارية عابرة للحدود نشطة وحيوية للغاية ، ساهمت في انتشار البضائع والأفكار. مما سمح بتبادل ونقل خيرات مادية وغير مادية متنوعة بين ضفتي المتوسط وهذا أسهم في تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة ليس فقط لشعوب المتوسط وجيرانه وإنما للبشرية جمعاء. هذا الإطار المتشابك في العلاقات أدى حتى في أوقات الحرب إلى إحراز تقدم ملحوظ في علوم كالفلك والرياضيات والعلوم الطبية، وحسنت من الترجمة وأثرت المحتوى اللغوي ، وهذا عزز المزيد من الاكتشافات الجديدة في المجال الزراعي والنظام الغذائي والمنسوجات والاستثمار في المعادن الثمينة. هذا هو البحر الأبيض المتوسط الذي نود استعادته للأذهان اليوم، وهو بالتأكيد لم يستنفد إمكاناته ، خصوصا تلك المدن التي ما زلنا نعتبرها محورا لمفصلات في التبادلات والتدفقات الثقافية واللغوية المتنوعة, و التي إذا أمكن فيها حرية التعبير والإبداع منح الفرصة لتحرير عقولنا وتجاوز الحدود المقيدة التي تُمليها الرؤى العقائدية والمصالح الحزبية . مدن المتوسط تستطيع أن تقدم فرصة عظيمة ومثال عملي للمواطنة المتوسطية التي نتمناها ، بمعنى أن تمنح شكلاً للتضامن والتعاون ليس على أساس الأصول الاثنية أو الهوية الدينية أو الجنسية ، لكن على أساس الإقامة والسكن. ومن ناحية أخرى يمكن لهذه المدن تشكيل شبكات تعاونية بينها مبينة على المشاركة المباشرة للمواطنين والتضامن الثقافي والاجتماعي والسياسي الداخلي و العابر للحدود، هذا هو ما يمكن أن يحيي بشكل عملي “معنى الديمقراطيّة”، ديمقراطية المؤسسات والملكية المشتركة ،و يوسع في نفس الوقت شعورنا بالانتماء والهوية. في أوقات الازمات والاشتباك الثقافي، تكون التجارة و تبادل المعرفة والسلع بالإضَافَةِ إلى الشراكات بين المدن، الابداعات الفنیة والبحث العلمي، عواملا ضروریة لخلق ثقافة سلام ، ومعيشة مشرفة واحترام متبادل وعدالة اجتماعیة.

3. حرية التنقل كخيار بنّاء: مثلت منطقة المتوسط على امتداد التاريخ واحدة من أكثر مناطق الهجرة كثافة على وجه الأرض ، وهذا التنقل كان عنصراً أساسياً في حضارات هذه المنطقة. ولكن سياسة إغلاق الحدود في الآونة الاخيرة مع غياب بدائل واقعية للهجرة جعلت حرية تنقل البشر في المنطقة خطراً عليهم. هذه الحواجز والحدود التي أقيمت بين السواحل لم تنتهك فقط الحق الأساسي في التنقل، إنما خلقت اقتصادا غير شرعي وغير إنساني عابر للحدود توسع في العشرين سنة الاخيرة ، وأصبح مصدراً للرق والاستغلال بشكل حديث. وأصبحت البلدان الواقعة على طول الحدود الجنوبية والشرقية كالمغرب وليبيا وتركيا مناطق عبور، مما دفع الاتحاد الأوروبي لإسناد مهام رقابية على هذه التدفقات إلى البلدان هذه. وتم اعتبار المهاجرين من هناك مجرمين أو منافسين محتملين على التمتع بالموارد.من ناحية أخرى تحوّل اللاجئون السوريون إلى أكثر المجموعات عرضة للهجوم والخطرعلى طول البحر الأبيض المتوسط. ولهذا يجب أن يكون التنقل البشري دائماً حقاً إنسانياً أصيلاً لا يمكن أن تقوضه أي سلطة. إن القيود الحالية على حرية التنقل هي نتيجة لعدم المساواة في التنمية بين الضفة الشمالية والجنوبية للمتوسط على جميع المستويات، بما في ذلك التقدم الاقتصادي وفرص الشباب وحماية حقوق الإنسان والديمقراطية. ونعتقد أنه ينبغي على البلدان الأوروبية أن تتوقف عن تخويل مراقبة الحدود إلى بلدان جنوب المتوسط و الصحراء, وأن تمد سياسات التنمية إلى ما هو أبعد من المناطق الساحلية جنوب المتوسط، بحيث تصل إلى تلك المناطق والبلدان التي تنبعث منها الهجرة. وهذا يعني أيضا أن حماية حرية التنقل تستوجب إحلال السلام والعدالة في مناطق الصراع المجاورة التي يفر منها الناس.

4. التغلب على عدم المساواة ودعم إعادة التوزيع: وتهدد أوجه عدم المساواة في اقليم البحر الأبيض المتوسط التنمية الاجتماعية من خلال إفقار الطبقة الوسطى في المجتمع وإبطاء وتيرة الحد من الفقر. وهي تؤدي إلى الوصول غير المتكافئ إلى الخدمات الاساسية الصحة والتعليم، ومن ثم إلى انتقال التفاوتات اقتصادية واجتماعية غير المتكافئة إلى الأجيال الاخري، وإلى خلق مصائد للفقر وإهدار الإمكانات البشرية. إن عدم المساواة في الوصول إلى الحقوق والتنمية هي المصدر الحقيقي للتوتر الاجتماعي والاضطرابات السياسية في المنطقة، وليس هوياتنا الثقافية أو الوطنية المختلفة. وكثيرا ما اعتمدت الاستجابة العامة لعدم المساواة الاجتماعية في العديد من بلدان الإتحاد الأوروبي وبلدان الإقتصاد المتحوّل كالبلقان، كذلك في بلدان الإقتصاد الناشئ المتقدم مثل إسرائيل وتركيا أو في ما يسمى بالبلدان النامية في شمال أفريقيا، كان استناداً إلى وصفات التكيف النيوليبرالية وإصلاحات العمل المرنة للغاية ، مما دفع أجزاء متسقة من المجتمع نحو الهشاشة والاستبعاد ، وخاصة بين الشباب. ويجب المضي قدماً نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية التعاونية والحلول الإقليمية التي تدعم إعادة توزيع التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، سواء في المناطق التي أثّرت فيها الصراعات تأثيرا خطيرا على مستويات معيشة الشعب وفي المناطق التي تضررت من جراء المنافسة المعولمة. نحن نريد مجتمعات البحر الأبيض المتوسط التي تحمي الحق في مستوى معيشي لائق والضمان الاجتماعي، حيث تتاح الخدمات العامة الأساسية مجانا، ويكافأ العمل الشاق، وحيث يمكن تحسين وضع الفرد الاجتماعي والاقتصادي بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية.

5. الحق في الديمقراطية وتقرير المصير: فالديمقراطية لا تتعلق فقط بفعالية النظم الانتخابية وبنظم تعددية الأحزاب، ولا عن التوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فحسب. الديمقراطية أيضاً تتعلق بإمكانية حصول المواطنين على الحقوق الأساسية؛ فهي تتعلق بحق تقرير المصير. وبموجب هذا الحق، يقرر الناس بحرية وضعهم السياسي ويسعون بحرية إلى تحقيق تنميتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لجميع دول اقليم البحر الأبيض المتوسط الحق في التنوير الديمقراطي والتحرر من الاستبداد وتقرير المصير الوطني (ولكن ليس على حساب الجماعات الأخرى). فإن لمواطنيهم الحق في المشاركة الكاملة في صياغة مصيرهم ، دون تدخل خارجي متحيز. ويحق لهم في المشاركة في اتخاذ القرارات، باستخدام أي وسيلة ممكنة: من عمليات التصويت الرسمية إلى التجمعات العامة؛ من المجالس المؤسسية للتعبير الثقافي الحر ؛ من الديمقراطية المحلية إلى الخدمات والمشاريع المدارة بطريقة ديمقراطية ؛ من استخدام التكنولوجيات الجديدة، مثل الإنترنت ،إلى أجهزة الراديو المحلية، وهذه الأخيرة كانت أدوات فعالة لتعزيز الديمقراطية على مستوى القاعدة الشعبية ، لا سيما في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية عن طريق توفير مصدر بديل للمعلومات عوضاً عن القنوات الرسمية ، وتعكس التنوع العرقي واللغوي. إن المجتمع الواعي والمسؤول ، الذي يكون منفتحا على العالم والنشط بشكل نقدي ، هو السبيل الوحيد في البحر الأبيض المتوسط ضد الحكومات القمعية والمؤسسات الفاسدة ووسائل الإعلام المتحيزة ، التي تشعل لهيب الخلاف من خلال الانحياز الطائفي ، وتعزيز الأحكام المسبقة ، وتشويه الحقائق.

6. رفض جميع أشكال التطرف والبحث عن الأخلاق: أصبح اقليم البحر الأبيض المتوسط مرادفاً للتعصب الديني ، يُنظر إلى الدين – على أنه ذو صلة هامة في جميع مجالات الثقافة والمجتمع – كأداة لتعبئة المؤمنين واحتضان العنف. إن المؤمنين الذين يرتبطون بشدة بالعقائد الأساسية لدياناتهم ، أو يكونون صارمين في ممارساتهم ، ليسوا بالضرورة عنيفين ، ولا يبررون بالضرورة العنف باسم الله. يمكن أن يكون لدينا الأصولية دون التطرف العنيف. بالتأكيد ، يجب أن ندين الإرهاب المدفوع بالدين ، و الذي أول ضحاياه: التفاهم بين الشعوب والحوار بين الثقافات. هذا ، ومع ذلك ، ليس كافيا. يجب علينا أن نكافح ضد أشكال الأصولية التي تؤدي إلى التطرف والتي ، على سبيل المثال ، تغذي الكفاح المسلح للمصفوفة الإسلامية أو التي، في المجتمعات اليهودية أو المسيحية تبرر التمييز والقمع ضد الآخر على طول خطوط هويتها الدينية. إن الأصولية للتوسع والإنتاج اللامحددين ، المستندة إلى المنطق الاقتصادي ، هي في هذا الصدد كذلك تشكل خطرة لايقل عن التعصب الديني. هذا هو الحال أيضاً مع أي قومية قائمة على الكراهية تبرر العنف وقمع الحريات باسم الدولة أو الأمة. فقط من خلال فضح الكبت الملطخ في برودة المنافسة في السوق ، في الدين المشؤوم من الحيازة والاستهلاك ، أو في أساطير الهوية الوطنية ، يمكن للحوار العودة إلى أن يكون متساوياً ، وبالتالي منع ثقافة من الاضطرار إلى الاختيار بين التخلي عن كرامته وشيطنة الآخر. وفي الوقت نفسه ، ينبغي الترحيب بالأخلاق التي تكرّسها التعاليم اليهودية والمسيحية والإسلامية ، المستوحاة من الأب المشترك أبراهيم ، ومقدِّمة قيم الإنسانية ، والضيافة ، والتضامن والحكمة إلى الناس ، وتقاسمها بين المؤمنين من الأديان الأخرى وكذلك بين غير المؤمنين ، و دفاعها عن النبذ والتلاعب والنسبية.

7. منظور حقوق الإنسان من خلال عيون المرأة: لقد اتخذ قمع حقوق الإنسان في منطقة اقليم البحر الابيض المتوسط في الآونة الأخيرة عدة أشكال وهو نموذج لتضييق مجال المجتمع المدني. يظهر هذا الاتجاه المثير للقلق في كل من بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط بعد انتعاش القوى المعادية للثورة بعد عام 2011 ، وفي ما يسمى بالديمقراطيات الثابتة في أوروبا بعد موسم الاحتجاجات ضد التقشف. إن سياسات مكافحة الإرهاب هي أحد المصادر الرئيسية للهجوم وإغلاق مساحات النشاط ، وحرية التعبير ، والخصوصية ، والمعارضة السلمية ، وهي تمثل سلسلة مستمرة من إجراءات القمع الوحشية ضدّ المجتمع المدني الذي تحدث فوق حدود الاقليم. في جذور هذه التطورات في الاقليم ، يوجد نظام أبوي يحرم النساء والفئات المهمشة من حقوقهن الإنسانية وكرامتهن. التمييز بين الجنسين هو أقدم شكل من أشكال عدم المساواة ، التي لم تتمكن حتى الديمقراطيات المعاصرة من التغلب عليها. نحن بحاجة إلى تصور اقليم البحر الأبيض المتوسط حيث يتم احترام حقوق الناس الأساسية ، من خلال رؤية ما بعد الاستعمار والحساسية تجاه حقوق المرأة ، وبغض النظر عن الوضع القانوني للمواطن ، وحيث يكون المواطنون مجهزون لمواجهة التقلص المدني. إن وجود حركات ناشطة مستقلة عبراقليم البحر المتوسط هو أحد الأركان الأساسية للسماح بالتعبير عن المصالح الجماعية ومشاركة السكان في النقاش العام وصنع القرار. وعلاوة على ذلك، نحتاج كذلك لتحرير اقليم البحر الأبيض المتوسط من العنف الهيكلي ضد النساء والمجموعات المهمشة ، بما في ذلك الأقليات الجنسية ، سواء في الوقائع أو في السرد ، حتى يتم الاعتراف بالتنوع بين الجنسين ، ويتم تقييم الهويات والأدوار المتعددة للمرأة حتى بعد الصور النمطية المستوحاة من النسوية الغربية ، و يتم انهار الحدود الجسدية والنفسية بين نساء الاقليم . إن التعليم ، الذي يعد أداة رئيسية لاستطلاع تاريخ أمم اقليم البحر الأبيض المتوسط ، ولتعزيز فهم المصير المشترك ، له أهمية بالغة في الاعتراف بالدور المركزي للمرأة في المجتمع على أنه “راعية” للحقوق الأساسية وعمليات التعلم.

8. منطقة البحر المتوسط البيئة ننتمي إليها هو مستقبلنا المشترك: البحر الأبيض المتوسط هو منطقة بيئية متفردة و لها صفات مناخية وإيكولوجية لا توجد إلا على 2٪ من سطح الأرض. كما تتسم بمناخها المعتدل الذي استوعب الحرارة الافريقية وبرودة المحيط الأطلسي لآلاف السنين. مما أنتج تنوعًا بيولوجيًا غير عادي ، بما في ذلك 20٪ من أنواع النباتات و الحيوانات الأرضية و 52٪ من النباتات المستوطّنة. و التي هي اليوم في خطر كبير. ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لحوض البحر: مع مساحة أقل من 1٪ من المساحة البحرية العالمية ، فإن اقليم البحر الابيض المتوسط يضم ما يقارب ال 15٪ من التنوع البيولوجي البحري. إن الاحتباس العالمي الذي من المتوقع أن يضرب المنطقة بشدة ، والصيد الجائرالغير مستدام ، وحرائق الغابات ، و التوسع العمراني ، توشك على إفقار جمال المناظر الطبيعية والريفية وثراء تراثنا البيولوجي. البحر: قلب الحياة البيولوجية والبشرية في اقليم البحر الأبيض المتوسط ، هو يعتبر موردا اقتصاديا استثنائيا ، و هو أيضا غاية ووسائل لإستمرار ثقافة اقليم البحر الأبيض المتوسط نفسها. و إن يتحوّل إلى موقع إغراق جثث بشرية ، و مواد بلاستيكية مِجْهَرِيّة ، وحطام سفن. إن الحفاظ على السمات الإيكولوجية في منطقة اقليم البحر الأبيض المتوسط لا يقتصر فقط على منع انقراض الأنواع من الكائنات الحية، ولا على الدفاع عن نظامنا الغذائي الأكثر تنوعاً وصحةً ، ولا عن مجرد منع تدمير المناظر الطبيعية التي أنشأها البشر والطبيعة علي مر القرون . كما أنها تدور حول الكفاح ضد عمليات التسليع المتقدمة لكافة البضائع و المنتجات و التي تنتمي إلى كل البشرية ، الكوكب والأجيال القادمة: من الماء والتربة والبذور و كافة الاصناف من الكائنات والهواء. ولا يمكن أن يكون هناك تنوع ثقافي دون تنوع بيولوجي، ولا يمكن أن يكون أي منها ممكنا إذا انحنينا إلى عبودية الربح. فالتغير المناخي، من ناحية، والتحضر المفرط، والصيد الجائر والحرائق من جهة أخرى، كلها وجوه لعملة واحدة. ونريد أن نحوّل جذرياً نمطنا وقيمنا الإنمائية، وأن نستثمر في حماية واستعادة منطقة اقليم البحر الأبيض المتوسط البيئية، والحد من استهلاك الطاقة والمواد الخامة، وتعزيز الدوائر الغذائية الإقليمية، والتغلب على ثقافة الاستهلاكية.

9.التنمية الإقليمية الهيكلية والتماسك الاجتماعي والاقتصادي: بلدان اقليم البحر المتوسط ملزمة حالياً باتفاقيات ومعاهدات تعاون متعددة الأطراف وثنائية. وقد أُنشِئَت العديد من أشكال الشراكات بين البلدان على جميع شواطئ أقليم البحر الأبيض المتوسط في إطار سياسة الجوار الأوروبي، بما في ذلك اتفاقيات التجارة الحرة أو التعاون اللامركزي الثنائي. ومع ذلك، فإن هذه المبادرات بعيدة كل البعد عن أن تكون عادلة وغالباً ما تتسم بالاستغلال والهيمنة من الطرف الاوربي. ولا سيّماَ وأن أكثر المواطنين بلدان جنوب اقليم البحر الابيض المتوسط الفقراء أو المهمشين لا يستفيدون بشكل مباشر أو وافي من كافة من المشاريع التي وضعت في إطار هذه الشراكات. فالمخططات الاستثمارية الأوروبية تحفزها أهداف أمنية أكثر من مجرد رؤية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكامل منطقة اقليم البحر الأبيض المتوسط. إن الاهتمام الحالي للبلدان الشمالية من اقليم البحر الابيض المتوسط هو في الأساس وضع حد لظاهرة الهجرة المتنامية، وليس لمعالجة أسبابها: الصراعات المسلحة في العديد من بلدان الشرق الأوسط، والآثار السلبية لتغير المناخ على بلدان الساحل، والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها النظم غير الديمقراطية، أو ببساطة الفقر والمجاعة التي تهدد العديد من سكان الجنوب. ومن أجل إيجاد حلول للأزمات التي تهزّ اقليم البحر الأبيض المتوسط، نحتاج إلى إعادة النظر في الاستراتيجيات والشراكات بين بلدانها. نحن بحاجة إلى تمويل هيكلي إقليمي للتنمية وأهدافه المساواة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يتم تصميم الاستثمارات الاقتصادية بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية، والوصول المنصِف إلى الخدمات والفرص، وثقافة مغامرة مستقلة. وينبغي تشجيع التجارة العادلة، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وإنتاج المنتجات المحلية، والاعتماد على الذات في المجتمع المحلي، لتعزيز القدرات الاجتماعية والاقتصادية المحلية، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجميع. ويتطلب قطاعان اهتماماً خاصّاً: يمكن للزراعة المستدامة والجيدة، والتعلم من الممارسات التقليدية والحفاظ على التنوع البيولوجي الريفي، أن تُوفِّر الغذاء الصحي والكافي للجميع في المنطقة، وأن تُتيح فرصاً جديدة للمجتمعات الريفية الطرفية، وأن تخفف من آثار التغيرات المناخية؛ وانتقال الطاقة من مصادر أحفورية إلى مصادر متجددة يمكن أن يكون له أثر إيجابي على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفئات الضعيفة والفقيرة، ويفتح الباب أمام الاستثمارات الكثيفة وتوفيرالعمالة ونقل التكنولوجيا بشكل عادل بين شمال وجنوب اقليم البحر الأبيض المتوسط.

10. تساؤلات حول ازدواجيّة السياسات الأوروبية: لقد أظهرت أوروبا قدرتها المخجلة على عدم توافق القول والفعل تجاه الدول المجاورة ، التي تخدم مصالح أوروبا بشكل أفضل. مؤسسات الإتحاد الأوروبي ليست بالضرورة أوّل من نلقي التبعة عليه، ولكن في كثير من الأحيان الحكومات الوطنية التي، مثل بينيلوبي، تقوم بفسخ ما تم الإتفاق عليه كمن تراجع ليلاً عن النسيج الذي نسج خلال النهار. في حين أن أوروبا تُبشِر بالديمقراطية وتقرير المصير الوطني، فقد تركت الشعب السوري يستسلم لدكتاتورية النظام وتأثيراته الخارجية. وقد أشادت بالشباب العرب الذين نهضوا ضدّ الاستبداد في بلادهم، ولكن أوروبا وقّعت تجارة مربحة أو عقود استغلالية مع الأنظمة التي خانتهم. تَدّعي أنها تدافع عن التماسك الاجتماعي والتضامن مع الدول الفقيرة ، لكنها ترفض الناس الفارين من البؤس والقمع عند حدودهم. وهي تتشكّك فوائد الوصفات النيوليبرالية التي تفرض التقشف على دولها، ولكنها تدعم إنفاذ تدابير التكيف الهيكلي التي تُضرّ بأشدّ الناس ضعفاً في البلدان المجاورة في اقليم البحر الابيض المتوسط. فالسياسات المزدوجة تقتل ثقة المواطنين في بناء فضاءات مشترك للتعاون يقوم على المصالح المتبادلة والقرب الإنساني والمساءلة والديمقراطية. ونحن ندافع عن المبدأ القائل بأن لجميع الدول والمواطنين الحق في التمتّع بالحقوق. فالحقوق لا يمكن أن تكون امتيازاً لبعض الدول على حساب الدول المجاورة لها. ولا يمكن التغلب على الجغرافيا المتناثرة لنظم المواطنة في اقليم البحر الأبيض المتوسط، مع تعدد المواقف والولاءات والحقوق والواجبات والمسؤوليات المتقلبة، إلا من خلال إنشاء إطار للمواطنة عابرة الحدود و المستوحاة من روح التنوع والتبادل وكرم الضيافة في منطقة أقليم البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يمكن للمركزية ألأوروبية ولا للسلطوية أن تُولِدا تمييزًا فرديًا أو اجتماعيًا على أساس الجنسية أو الدين أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية.

11.الهوية المشتركة ورؤية للمواطنة العابرة: إن منطقة اقليم البحر الأبيض المتوسط هي مصدر “الهوية الجماعية” نتيجة التبادلات التاريخية المتنوعة، والتهجين الثقافي، وأساليب الحياة المشتركة، والهيمنة الإقليمية المتناوبة. ولكننا لا نهتمّ بذلك فقط. إن حقوقنا ومطالبنا الاجتماعية لا تُلبّى بالكامل في هذا العالم المضطرب، وشعوب اقليم البحر الأبيض المتوسط تعاني من فرص مختلفة إلى حد كبير في الحصول على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية. نحن نريد أن نتجاوز تعريف المواطنة على أنها تمنح حصراً من قبل الدول القومية. ونحن نسعى إلى إقامة مواطنة نشطة، غير تقليدية و مشتركة في الفضاء المتوسطي عبر الحدود العابرة، استناداً إلى القيم الإنسانية النبيلة الموروثة من الثقافات الغربية والشرقية، وتهدف إلى تحقيق مجتمع حيث العدالة الاجتماعية والتنقل البشري والعدالة المناخية واقتصاد التضامن والديمقراطية التشاركية تُطبّق القواعد الاساسية للمواطنة. مفهومنا المواطنة يهدف لإعادة خلق مساحة مشتركة يمكن فيها تخيّلها وممارستها وتنظيمها. إن هويتنا المشتركة أقل قبليّة، أقل حصرا ، أقل سجنا من الأساطير الانتقائية حول المواطنة ، ومفتوحة للآخرين ولحقائق جيراننا عبر حوض اقليم البحر الأبيض المتوسط. إنها “هوية واقعية” ، وهوية الفعل من العمل والعيش معا ، من أجل إعادة تصميم مفهوم المواطنة المنصوص عليها الآن في نظم واجباتنا وحقوقنا الوطنية.

12.عملية دستورية للشراكة المتوسطية: فمصيرنا المشترك لا يقتصر على التعاون والتبادل فحسب، بل أيضاً على بناء فضاء متكامل يتمّ فيه حل الصراعات عن طريق الحوار، و إتاحة الفرص التي يتمّ إنشاؤها بشكل مشترك. وقد اختنقت الشراكة الأورومتوسطية من قبل الأنانية الوطنية، والسلطات الاستبدادية وفك الارتباط الأوروبي في المنطقة. يجب إعادة ابتكار هذه الشراكة على أساس جديد: كونها أولًا منطقة اقليم البحر الأبيض المتوسط ، وليست أوروبا فقط، وبناءًا على ثقافة الحقوق نفسها ، والتجديد الديمقراطي والعدالة ، تناضل العديد من الأمم العربية والأمم المجاورة ، خاصة بعد 2011. هذه الشعوب المتوسطية بحاجة إلى عملية دستورية بعيدة المدى. غير أن المواطنين وحدهم هم الذين يمكنهم إلهام هذه العملية الدستورية وتأجيجها في السياق الحالي ، حيث تتزايد القوى الوطنية التي تدافع عن مصالحها الخاصة. تاريخياً ، يجسد مواطني اقليم البحرالابيض المتوسط هويات متعددة ، وفي السنوات الأخيرة ، نما جيل جديد من المواطنين على جميع الشواطئ الذين يشعرون بأنهم جزء حقيقي من هذه المنطقة. يجب أن يكون تعزيز العملية الدستورية من أسفل إلى أعلى في البداية وأن تكون عملية تطوعية وغير ملزمة. كما إنها لن تشكّك في الاندماج الأوروبي ، الذي نقدر أهميته التاريخية ، والذي نقيّم هيكله الحالي ونعتقد أنه يحتاج إلى إصلاحات. و هذه العملية الدستورية سوف تتعلّم من نجاحات وإخفاقات الإتحاد الأوروبي ، وتمكّن دول الجنوب الأوروبي وتعطي فرصة جديدة لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط كجزء من الفضاء المتوسطي المشترك.

 

الفيدرالية والمشاعات هي أمامنا

 

كيف يمكننا تخيّل البحر الأبيض المتوسط كفضاء سياسي مشترك؟ كيف يمكن تصور البحر الأبيض المتوسط على أنه شراكة “مجتمعية” متجددة على الرغم من انتشار عدم المساواة والصراع وجروح الاستعمار السابق والاستعمار الجديد؟ نقترح دورتين للتحليل والعمل: أولاً ، يجب أن نعمل من أجل تجديد مفهوم الفيدرالية كطريقة اجتماعية وسياسية لتنظيم العلاقات بين الدول المختلفة. طموحنا هو البحث عن نموذج ديمقراطي متوسطي يتكوّن من تقاليد فيدرالية متبادلة وتضامنية وتعددية ، في مقابل المظهر العنصري و التمييزي و الملكيّ بالإضَافَةِ إلى العنف و البلطجة للدولة والرأسمالية. الفدرالية لا تنتمي فقط إلى التفكير السياسي الغربي. كما توصل العلماء العرب إلى نماذج من التنظيم السياسي تشبه الفدرالية. ثانيا، إن الأساس المنطِقي للفيدرالية – وهو تقاسم وصياغة مصير مشترك جنبا إلى جنب مع التضامن والشرعية الديمقراطية – مرتبط بروح “المشاعات”. إن تصور الفضاء المتوسطي ككيان مشترك والعمل معاً كنتيجة لذلك، يولّد تفاعلات مواطنة عابر بين “المواطنين” الموجودين على طول شواطئها. لذلك نقترح أن نؤسس “المواطنة” على أساس معيار تنظيمي مختلف: لا (حق الدم) و ليس (حق التربة) فقط، بل شيئًا يشكل حجر الزاوية لشكل جديد من المواطنة طليعة بمفردها وهو: (حق المشاع )، حيث يتمّ استدعاء جميع مواطني المنطقة إلى حماية البحر الأبيض المتوسط ومشاركته “كخير مشترك” ، والتزام بإحياء كونيتها و عالميتها. ولا يمكن أن يكون البحر الأبيض المتوسط “خير مشترك” إلا من خلال بناء مساحة مشتركة من خلال العمل المشترك. ويمكن توسيع هذا المنطق التحرري ليشمل مناطق “البحر الأبيض المتوسط” الأخرى (بين الأراضي) في العالم، حيث تتقاسم الشعوب والأمم الجغرافيا والتاريخ والجذور الثقافية. نهجنا لن و لم و لا يمكن أن يكون حصريّاً، ولا يمكن أن يكون نزوة الاستشراق. صحيح أن الجمع بين عبارة “البحر الأبيض المتوسط” و “المواطنة” قد يبدو تناقضاً في حد ذاته. ويلاحظ الكثيرون أن هذه المنطقة مقسمة على الحدود والأوضاع المؤسسية والروايات، ولا يمكن أن تكون لها قاعدة مواطنة واحدة. ومع ذلك، هذا هو بالضبط التناقض الذي نريد أن نأخذ على محمل الجدّ، واستكشافه وتفكيكه. يمكننا أن نفعل ذلك فقط من خلال تحويل وجهات نظرنا رأساً على عقب. إذا لم نفعل ذلك، فسوف يتمّ إسكاتنا بأصداء الهيمنة والحرب والكراهية المتزايدة. إن المواطنة التي نريدها لن تتحقّق إلا من خلال ديناميكيات “المواطنة – في صنع”، المواطنة المتمردة، من خلال أن تكون ترسيخ بقوة للقيم والممارسات والمعارف والتراث المتعدد التي نتشاطرها كأشخاص في منطقة متجانسة جوهريّاً من حيث الطبيعة التعدّديّة.

 

من أجل تحرير و وحدة اقليم البحر الابيض المتوسط

 

والبحر المتوسط هو قارتنا السابعة، التي ولدت فيها ثقافاتنا وحضاراتنا ومناظرنا الطبيعية وأسرنا. والبحر الأبيض المتوسط هو أيضاً الاستعارة ومساحة حلمنا، وحلم مكافأة الماضي بمستقبل مشترك متجدد، وحلم بيت مشترك، ومنطقة متكاملة تلتقي فيها ثلاث قارات ونتبادل فيها، نحن، مواطنو المنطقة كما يمكن أن نعالج التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية بروح من التعاون السياسي والإثراء الثقافي. مشروعنا هو وحدة البحر الأبيض المتوسط، وهو المشروع الوحيد المعقول الذي يوفر بديلا للعسكرة، و “صدام الحضارات”، والظلم الاجتماعي والاضطراب الإيكولوجي. قبل خمسة وسبعين عاما، عندما كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال مستعرة، مجموعة من المثقفين والمتشددين المناهضين للفاشية، الذين كانوا محتجزين في جزيرة فينتوتين، كتبوا بيان ل “من أجل أوروبا حرة و متحدة”. وقد أطلق هذا البيان رؤية التكامل الأوروبي في اللحظة التي لا يُراهن فيها أحد على ذلك. واليوم، نعيش بحكم الواقع حرباً عالمية جديدة، تقوم بالثقافات والهويات الدينية ضدّ بعضها البعض؛ يُحبط نضال الناس من أجل الحرية والعدالة باسم الاستقرار والنموّ والمصالح الوطنية؛ يدفع الأسر إلى الفرار من اليأس؛ ويضع البشر والطبيعة في المعارضة. أحر خط المواجهة لهذه الحرب المصنوعة يمرّ عبر البحر الأبيض المتوسط. هذا هو السبب في أننا كتبنا هذه الوثيقة، التي تريد أن تمثل الدعوة إلى ” تحرير و وحدة اقليم البحر الابيض المتوسط “، بالضبط في الوقت الذي لا أحد يُراهن على ذلك. ونحن نهدف إلى صياغة مصير مشترك، بدءاً من إرادتنا الخاصة، والأحلام وأرواحنا. وهذا هو السبب في أن هذا البيان المبديء سيتمّ تقاسمه ومناقشته مع الناس الذين يعيشون في المنطقة، ومن خلال تضمين أكبر عدد ممكن من المواطنين الذين يهتمّون بمصير اقليم البحر الابيض المتوسط ، بطريقة تشاركية، وسوف يُلهم مشاريعنا المشتركة في المستقبل والحملات السياسية . وستستمرّ عملية التشاور هذه سنة كاملة اعتباراً من اليوم. ونحن نهدف إلى أن يشكل البيان الناجم عن هذه العملية قوة دافعة لتعزيز مبادرات ورؤى جديدة من أجل حرية وتوحيد اقليم البحر الابيض المتوسط. يجب أن يأتي البحر الأبيض المتوسط كبيت مشترك من مبادرات مواطني هذه المنطقة، وأن يمتدّ إلى حكوماتنا ومؤسساتنا. ويجب أن نتحرّك بالطموح لتصميم حيّز جديد للتكامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يقوم على التنوع الثقافي الذي يتميّز به شعوبها. وفي هذا الصدد، يتحمل المجتمع المدني المستقل مسؤولية خاصة عن إعداد المستقبل، وإعادة تنظيم روح الحركات الاجتماعية الأخيرة من أجل الحرية والكرامة في جميع أنحاء اقليم البحر الابيض المتوسط ، والجمع بين الأجنحة الدينية والعلمانية من أجل معالجة القضايا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية وطرح المشاكل الثقافية من منظور إقليمي، خارج إطار الحدود الوطنية والدعاية للنظام. وهذا هو أفضل إرث اجتماعي تستحقّه منطقة اقليم البحر الابيض المتوسط اليوم. لقد حان الوقت لكي يتّجه اقليم البحر الابيض المتوسط إلى المسرح العالمي مرة أخرى كمنارة للتنوير والإنسانية والضيافة والتقدّم.

ميسينا، كاتانيا وريجيو كالابريا، نوفمبر 2017 ترجمة: فاطيمة ادريس، إبراهيم حجَي

 

تحميل